عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
305
اللباب في علوم الكتاب
وكرّم ومجّد وبجّل ، وعظّم : ما كنت جديرا بذلك يا عمر ، فقام رجال ، فاعترفوا بمثله ، فنزل قوله تعالى : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ » « 1 » . فصل [ إذا افطر الصائم ] ذهب جمهور المفسّرين إلى أنّه كان في أوّل شرعنا ، إذا أفطر الصّائم ، حلّ له الأكل والشّرب والجماع ، ما لم ينم أو يصلّ العشاء الآخرة ، فإذا فعل أحدهما ، حرم عليه هذه الأشياء ، ثم إنّ اللّه تعالى ، نسخ ذلك بهذه الآية الكريمة « 2 » . وقال أبو مسلم « 3 » : هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتّة ، بل كانت ثابتة في شرع النصارى ، فنسخ اللّه تعالى بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم . واحتجّ الجمهور بوجوه : أحدها : قوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » يقتضي تشبيه صومنا بصومهم ، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم ؛ فوجب أن يكون التشبيه ثابتا في صومنا ، لقصد أن يكون منسوخا بهذه الآية الكريمة . الثاني : قوله تعالى : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ » ولو كان هذا الحلّ ثابتا لهذه الأمّة من أول الأمر ، لم يكن لقوله : « أحلّ لكم » فائدة . الثالث : قوله سبحانه : « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » ولو كان ذلك حلالا لهم ، لما احتاجوا إلى أن يختانوا أنفسهم . الرابع : قوله تعالى : « فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ » [ ولولا أنّ ذلك كان محرّما عليهم ، وأنّهم أقدموا على المعصية ؛ بسبب الإقدام على ذلك الفعل ، لما صحّ قوله : « فَتابَ عَلَيْكُمْ » ] . الخامس : قوله تعالى : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » ولو كان الحلّ ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله تعالى : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » فائدة . السادس : ما رويناه في سبب النّزول .
--> ( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ الطبري في « تفسيره » ( 3 / 463 - 464 ) وابن أبي حاتم كما في « الدر المنثور » ( 1 / 357 ) عن ابن عباس . وأخرجه بلفظ قريب منه أحمد ( 4 / 295 ) والبخاري ( 4 / 111 - 112 ) وأبو داود ( 2314 ) والترمذي ( 4 / 71 - 72 ) والنسائي ( 1 / 350 ) ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 356 ) وزاد نسبته لوكيع وعبد بن حميد والنحاس في ناسخه وابن المنذر عن البراء بن عازب . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 88 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 88 .